السيد عباس علي الموسوي

272

شرح نهج البلاغة

السرور على قلوب أولاده وإن كان في ذلك شقاؤه وتعبه وغربته بل موته . فمن هنا كانت كلمة الإمام : ( فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ) كيف اهتم بنفسي وأحافظ عليها وأتمنى لها النجاح والعز ، كيف أسعى في سبيل فلاحها وسعادتها هكذا ، وبالاهتمام ذاته اهتم بك واعتني بسعادتك . ( فإني أوصيك بتقوى اللّه ، أي بني ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين اللّه إن أنت أخذت به ) هذا هو مطلع الوصية العلوية الذي يجب أن يكون المطلع لكل وصايا الآباء للأبناء ، الوصية بتقوى اللّه الذي لا يعلو إنسان عن الأمر بها . . . إنها تمثل الخضوع للهّ في الجوارح والإذعان من داخل الجوانح ، إنها رعشة في القلب تجعل هذا الإنسان يهتز من الأعماق في خضوع وتضرع إلى اللّه باسطا يديه إلى ربه متفانيا في طاعة اللّه وخدمة عباده . . . التقوى تمثل منتهى الغايات التي يطمح إليها الإنسان ومن أجلها كانت كل تكاليف اللّه من طهارة وصيام وصلاة وغيرها لأن كل هذه الواجبات تخلق من هذا الإنسان عضوا منضبطا ضمن الخط الإلهي لا يخرج عنه ولا يدخل في غيره ، كل هذه التكاليف تبني الشخصية الملتزمة بالإسلام فكرا وعملا وسلوكا ، عقيدة وطريقة حياة . . . فالتقوى تمثل الدرجة العليا من الالتزام والخضوع لأنها تتخذ طابع الانقياد المطلق الصادر من القلب والضمير والوجدان . . . ثم إنه عليه السلام أمره بملازمة أمر اللّه وعمارة قلبه بذكره والاعتصام بحبله وهذا الاعتصام بحبل اللّه هو أوثق الأسباب وأشرفها وأضمنها لنجاح الإنسان وفوزه في الحياة الدنيا والآخرة . . . ( أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهادة وقوه باليقين ، ونوره بالحكمة ، وذلله بذكر الموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر ، وفحش تقلب الليالي والأيام ) أحي قلبك بالموعظة : فيما يمر أمامك من مشاهد الحياة وصورها فإذا أبصرت مبتلى فاعتبر بابتلائه وافرض نفسك مكانه وخذ العبرة والحكمة منه ، وإذا رأيت غنيا قد افتقر أو فقيرا اغتنى فخذ أيضا منه العبرة وأدر بصرك فيما حولك فإنها كلها مواعظ وعبر ، وإذا قرأت سيرة الصالحين ومناقب الشرفاء فاقتد بهم وسر على دربهم النير الرباني وهكذا دواليك ، اقرأ الأحداث والناس وخذ من كل منها الموعظة والعبرة التي تحيي قلبك . وأمته بالزهادة : فإن الزهد عبارة عن اختصار الكثير من الملذات والكماليات بل